عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

87

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )

لمحبتهم إياه حصل النكاح المعنوي المثمر لفناء ما سواه ، فيكون العبد حينئذ كما أن لم يكون والحق كما لم يزل ، وهكذا الآن كما هو الأمر وحق اللّه لا بد للنتيجة من مقدمتين بحيث أن يكون طرفاهما متناسبين ليحصل التناكح بين القضيتين فيظهر الولد المسمى بالنتيجة في العين ، ألا ترى إلى أن الحق سبحانه وتعالى لما أراد ظهوره من علمه بالعين خلق العالم وصوره على صورته في حضرة الأين ، ثم تجلى على العالم بأسمائه وصفاته فعرفه كل ذي سمع وعين ، فالمعرفة نتيجة التناكح المعنوي أي دخول حكم الأسماء الإلهية والصفات الربانية في حقائق العالم ، فكان العالم مخلوقا منه كما خلقت حواء من آدم ، ومحمد نتيجته التناكح الصوري الآدمي الحوائي صلى اللّه عليه وسلم فآدم سر العالم ومحمد صلى اللّه عليه وسلم سر آدم ، ولأجل هذا كان صلى اللّه عليه وسلم محل المعرفة الكمالية باللّه التي خلق اللّه لأجلها العالم ، إذ هو أكمل موجود فتعين ظهوره بالنتيجة المطلوبة وهي المعرفة التي خلق اللّه العالم لأجلها في الوجود . لولا سناك ما حويت من البها * ما كان قد ظهر الوجود المطلق أنت البديع محاسنا وملاحة * يبلى الزمان ووصفها لا يخلق ضربن سرادق حسنك الباهي على * العرش المجيد إحاطة لا ترمق فلك الولاء بإصالة وولاية * ولك العلى بتمكن لا يسبق أنت المراد من الوجود وعلمه * بوجود موجده فأنت محقق محبته صلى اللّه عليه وسلم لنا عين محبته تعالى لمعرفته بلا خلف ولا عناء كما ورد في الحديث القدسي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم حاكيا عن اللّه فيما ترجم أنه قال : « كنت كنزا محفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتجليت عليهم فبي عرفوني » « 1 » ، أحب تعالى ظهور الحقائق فخلق لذلك الخلائق ، وأحبه صلى اللّه عليه وسلم للتحقق لكل حال ثم فكان حب العبد الأواه تبعا لحب اللّه ولأجل ذلك قال : « حبب إليّ النساء » « 2 » ليضيف الفعل إلى المتعال ، ولم يقل أحببت بإسناده إلى نفسه في الحال فعين ما حببه لأجله ، النبي صلى اللّه عليه وسلم هو عين ما أحب اللّه بسببه العالم لأنه أحب ظهور ما لديه من الكمالات المعبر عنها بالأسماء والصفات ، وهو عين المطلوب للنبي المحبوب فكأنما عبر بقوله صلى اللّه عليه وسلم وشرف : « حبب إلي النساء » عن قوله : « فأحببت أن أعرف » فالذي قال : « كنت كنزا مخفيا » . هو القائل : « حبب إلي النساء » ولكن أضاف الفعل إلى نفسه أولا للربوبية وإلى غيره ثانيا

--> ( 1 ) العجلوني : كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2014 ) طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت . ( 2 ) رواه أحمد في المسند ، حديث رقم ( 12301 ) .